السيد علي عاشور
152
موسوعة أهل البيت ( ع )
وروى أبو محمد العسكري عليه السّلام مثل ما قال هو في تأويل هذه الآية من المراد بالختم على قلوب الكفار عن الصادق عليه السّلام بزيادة شرح لم نذكره مخافة التطويل لهذا الكتاب « 1 » . وبالإسناد المتكرر من أبي محمد عليه السّلام أنه قال - في تفسير قوله تعالى - : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً « 2 » . . الآية جعلها ملائمة لطبائعكم ، موافقة لأجسادكم ، لم يجعلها شديدة الحمى والحرارة فتحرقكم ، ولا شديدة البرودة فتجمدكم ، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم ، ولا شديدة النتن فتعطبكم ، ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم ، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم وأبنيتكم ودفن موتاكم ، ولكنه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به ، وتتماسكون وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم ، وجعل فيها من اللين ما تنقاد به لحرثكم وقبوركم وكثير من منافعكم ، فلذلك جعل الأرض فراشا لكم . ثم قال عليه السّلام : وَالسَّماءَ بِناءً يعني : سقفا من فوقكم محفوظا ، يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم . ثم قال : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني : المطر ينزله من علو ليبلغ قلل جبالكم وتلالكم وهضابكم وأوهادكم ، ثم فرقه رذاذا ووابلا وهطلا وطلا ، لينشقه أرضوكم ، ولم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة ، ليفسد أراضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم . ثم قال : فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ يعني : مما يخرجه من الأرض رزقا لكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً « 3 » أشباها وأمثالا من الأصنام التي لا تعقل ، ولا تسمع ، ولا تبصر ، ولا تقدر على شيء ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنها لا تقدر على شيء من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم « 4 » . وبالإسناد الذي مضى ذكره عن أبي محمد العسكري عليه السّلام في قوله تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ إن الأمي منسوب إلى ( أمه ) أي : هو كما خرج من بطن أمه ، لا يقرأ ولا يكتب ، لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ المنزل من السماء ولا المتكذب به ، ولا يميزون بينهما إِلَّا أَمانِيَّ أي : إلا أن يقرأ عليهم ويقال لهم : إن هذا كتاب اللّه وكلامه ، لا يعرفون إن قرأ من الكتاب خلاف ما فيه ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي ما يقرأ عليهم رؤساؤهم من تكذيب محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في نبوته وإمامة علي سيد عترته ، وهم يقلدونهم مع أنه محرم عليهم تقليدهم ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 5 » . . إلخ هذا : القوم اليهود ، كتبوا صفة زعموا أنها صفة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وهي خلاف صفته ، وقالوا للمستضعفين منهم : هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان
--> ( 1 ) الاحتجاج : 20 / 261 ، وبحار الأنوار : 5 / 201 ح 24 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 22 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 22 . ( 4 ) التوحيد : 404 ح 11 ، والاحتجاج : 2 / 262 . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 79 .